النويري
305
نهاية الأرب في فنون الأدب
لكن الذي معي أفضل من هذا ؛ قرآن أنزله اللَّه علىّ هو هدى ونور » . فتلا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم القرآن ، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه ، وقال : إنّ هذا لقول حسن ؛ ثم انصرف عنه ، فقدم المدينة على قومه ، فلم يلبث أن قتله الخزرج ، قال : فإن كان رجال من قومه ليقولون : إنا لنراه قد قتل وهو مسلم ، وكان قتله قبل بعاث « 1 » . قال ابن إسحاق أيضا : وحدّثنى الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد ابن معاذ عن محمود بن لبيد ، قال : لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأشهل ، فيهم إياس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من بنى الخزرج ، سمع بهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وأتاهم فجلس إليهم فقال : « هل لكم في خير مما جئتم له » ؟ ، فقالوا : وما ذلك ؟ قال : « أنا رسول اللَّه ، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل علىّ الكتاب » . قال : ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فقال لهم إياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - : أي قوم ، هذا واللَّه خير مما جئتم له ، فأخذ أبو الحيسر حفنة من [ تراب « 2 » ] البطحاء ، فضرب بها وجه إياس بن معاذ ؛ وقال : دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، قال : فصمت إياس ، وقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وانصرفوا إلى المدينة ، فكان وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ، ثم لم يلبث إياس ابن معاذ أن هلك . قال محمود بن لبيد : فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل اللَّه ويكبره ، ويحمده ويسبحه حتى مات ، فما كانوا يشكَّون أنه قد مات مسلما ، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول اللَّه ما سمع . واللَّه أعلم .
--> « 1 » قبل بعاث : أي قبل يوم بعاث . « 2 » تكملة من ابن هشام ج 2 : 69